الإعلان الخفي

الشيطان لم يتغير، وأهدافه كذلك؛ فهو يبغي تدمير البشر ومحاربة ملكوت الله. ولكن في عصرنا الحالي غيَّر من تكتيكاته، ونوَّع من مكائده، مستخدِمًا التقدم العلمي والفضائي والتكنولوجي الرهيب، والتي عندما نلتفت إليها سنجد أنه استخدمها مع غيرنا، وذكرها الكتاب المقدس لتحذيرنا.

في عام ١٩٥٧م أراد خبير التسويق الأمريكي جيمس فيكارى James Vicary معرفة تأثير الإعلان على المُتلقي الأمريكي، ليثبت بها إمكانية زرع إعلانات في أذهان المُتلقين رغمًا عنهم.

فاستخدم فيكاري جهاز Tachisto scope في إحدى دور السينما بنيويورك، وكتب من خلاله جملة بسيطة تظهر بسرعة خاطفة لا تتعدى لحظات أثناء عرض الفيلم: هل أنت عطشان؟ اشرب كوكا كولا Drink Coca-Cola هل أنت جائع؟ كُل فشارًا Eat popcorn.

وبعد مضى ستة أسابيع من تطبيق هذه الفكرة، وحضور ٤٥٠٠٠ شخص من الجمهور لقاعة السينما، لاحظ فيكاري أن نسبة مبيعات الفشار في فترة الاستراحة أثناء الفيلم زادت بنسبة ٥٧٪، وأن مبيعات الكوكاكولا ارتفعت بنسبة ١٨.١٪ بسبب هذه الجُملة الخاطفة!!

ومن وقتها بدأ فيكاري يعرض فكرته على المؤسسات والشركات التجارية، وأطلق عليها الإعلان الخفي Subliminal Advertising، والتي تعتمد على زرع أفكار في عقل المشاهد الباطن تؤثر في قراراته واختياراته دون أن يشعر.

لاقت الفكرة استحسانًا كبيرًا، وقامت شركات أخرى بتطويرها واستخدامها في مجالات اقتصادية وسياسية وثقافية وحتى في أفلام الكرتون.

لكن بمرور الوقت قامت الشركات المنافسة بعمل شكاوى ضد فيكاري، واتهموه بالخداع والمكر، حتى أنهم دفعوا الكونجرس الأمريكي لتجريم هذه الوسيلة، واختفى صاحب التجربة فجأة، ولكن بقي أسلوبه معروفًا ورائجًا.

قد تكون القصة السابقة صادمة للبعض، فما أصعب أن نشعر أننا ضحية الكثير من الخداع، عن طريق زرع آلاف الإعلانات الخفية رغمًا عنا، بل وتظهر في عمليات شراء فعلية للمنتجات، دون أن يدري الإنسان أن إعلانًا خفيًا سكن ذهنه، كما سنرى في الأعداد القادمة.

والحقيقة أن هناك صور كثيرة لهذه الإعلانات، وتتوقف على الغرض المراد منها، وفي كل نوع يتم توصيل رسالة معينة للأذهان، وكلها أيضًا تتم تحت سُلطان إبليس رئيس سلطان الهواء، وعندما نتأمل في نوعية هذه الرسائل، سنكتشف أن إبليس سبق واستخدمها لأغراضه الخاصة، فتحكم في توجهات ومصائر البشر.

حواء

كانت أول من اُستخدم معها هذه الحيلة، ففي وسط حوارها مع الحية القديمة (إبليس)، لإغرائها للأكل من الشجرة المنهي عنها، أن الحية قالت لحواء: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ» (تكوين٣: ٤، ٥).

ويا له من إعلان مُغري، أن تكون كالله؛ فأنت محور الكون وغرضه، أنت المتسلط والمتحكم في الكل، أنت غير مُلزَم بأي خضوع أو طاعة لأحد، أنت الآمر الناهي على حياتك، أنت تقرِّر ما هو الصحيح وما هو الخطأ، لا أحد يدينك ولا أحد يلومك.

وهو ذات الإعلان الذي يروجه إبليس حاليًا في الغرب، فأنت إله نفسك، ومن حقك اختيار حتى نوع جنسك؛ فها هو رئيس وزراء كندا يكافئ كل موظف فيدرالي ب ٧٥ ألف دولار كندي إذا قام بتغيير جنسه، والقضية الجدلية الآن في الولايات المتحدة هو حق الأطفال في اختيار جنسهم Trans Kids، وما يترتب عليها من كوارث وأهوال!!

أما عندنا في الشرق فالإعلان مختلف، فإبليس يزرع داخل كثير من الشباب أنه «رئيس جمهورية نفسه»، هو من يضع مبادئه، وهو من يُقيم سلوكه، وشعاره: كيفي كده، وهذا ينعكس في سلوكيات كثيرة قد تصل لحد التحرش وجرائم القتل، فليس من حق أحد أن يقول لي: لا (وليس بجريمة قتل الشابة نيرة ببعيد).

قورح

هذا الشخص ابتلع ذات الطُعم الإبليسي مع مجموعة من أصحابه «فَاجْتَمَعُوا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالُوا لَهُمَا: كَفَاكُمَا! إِنَّ كُلَّ الْجَمَاعَةِ بِأَسْرِهَا مُقَدَّسَةٌ وَفِي وَسَطِهَا الرَّبُّ. فَمَا بَالُكُمَا تَرْتَفِعَانِ عَلَى جَمَاعَةِ الرَّبِّ؟» (عدد١٦: ٣)، وطبعًا هذا التذمر لم يكن ضد موسى وهارون، ولكن ضد الله الذي اختارهما، فقورح أراد نزع سُلطة الله في الاختيار والدعوة لرسله وأنبيائه.


فكان الرد من موسى: «غَدًا يُعْلِنُ الرَّبُّ مَنْ هُوَ لَهُ، وَمَنِ الْمُقَدَّسُ حَتَّى يُقَرِّبَهُ إِلَيْهِ. فَالَّذِي يَخْتَارُهُ يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ... إِنْ مَاتَ هؤُلاَءِ كَمَوْتِ كُلِّ إِنسَانٍ... فَلَيْسَ الرَّبُّ قَدْ أَرْسَلَنِي. وَلكِنْ إِنِ ابْتَدَعَ الرَّبُّ بِدْعَةً وَفَتَحَتِ الأَرْضُ فَاهَا وَابْتَلَعَتْهُمْ وَكُلَّ مَا لَهُمْ، فَهَبَطُوا أَحْيَاءً إِلَى الْهَاوِيَةِ، تَعْلَمُونَ أَنَّ هؤُلاَءِ الْقَوْمَ قَدِ ازْدَرَوْا بِالرَّبِّ» (عدد١٦: ٥، ٢٩، ٣٠).

وبعد عشرات السنين تعلم بنو قورح ما لم يتعلمه أبيهم، فقالوا بلسان الله في مزمور لهم: «كُفُّوا وَاعْلَمُوا أَنِّي أَنَا اللهُ. أَتَعَالَى بَيْنَ الأُمَمِ، أَتَعَالَى فِي الأَرْضِ» (مزمور٤٦: ١٠)، فهموا أن ظن الإنسان إمكانية أن يكون كالله، سيخيب مسعاه هذا التراب، فمن فتح باطن الأرض هو وحده المتعالي في الأرض.

لكن هناك رسالة معزية لكل من يرفض هذا الإعلان الإبليسي الخفي، نجدها في العدد التالي في نفس المزمور «رَبُّ الْجُنُودِ مَعَنَا. مَلْجَأُنَا إِلهُ يَعْقُوبَ» (مزمور٤٦: ١١). فما أروع أن يعيش الإنسان الضعيف كيعقوب، في مدار الله القدير المحب، فهو الذي يرشد ويحمي ويختار، وهو الملجأ والحصن والأمان، وهذا أحلى إعلان لأي إنسان.