الابن المتمرِّد المتكبِّر


استغل أَدُونِيَّا ابْنَ حَجِّيثَ، ابن داود، ظروف ضعف أبيه الجسدي، وحاول اغتنام الفرصة ليجعل نفسه مَلكًا، وهكذا «تَرَفَّعَ قَائِلاً: أَنَا أَمْلِكُ» (اقرأ القصة في ١ملوك١؛ ٢). كانت هناك عيوب أساسية في شخصيته، وفي نهجه في الحياة الذي أسفر عن خِزْيِ ومذلة، في نهاية المطاف.

كان مدفوعًا بالكبرياء والعُجب والطموح الجامح

«تَرَفَّعَ قَائِلاً: أَنَا أَمْلِكُ». ليس هناك مكان لـ“أنا” طالما الأمر مرتبط بخدمة وقيادة شعب الله. ولقد أعطى الرسول بطرس مشورة حكيمة لكل مَن يخدم وسط شعب الرب: «تَسَرْبَلُوا بِالتَّوَاضُعِ، لأَنَّ: اللهَ يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً. فَتَوَاضَعُوا تَحْتَ يَدِ اللهِ الْقَوِيَّةِ لِكَيْ يَرْفَعَكُمْ فِي حِينِهِ» (١بطرس٥: ٥، ٦).

ولو كان أَدُونِيَّا أطاع هذا التحذير لتجنَّب - هو ومَن رافقه - سيناريو الأحزان المرير الذي حدث فيما بعد. ويا له من فكر جليل أن الرب يسوع «الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ... وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ» (فيلبي٢: ٦-٨). ويجب أن تكون الكنائس المحلية متيقظة لخطر الرجال أمثال «دِيُوتْرِيفِسَ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلَ» (٣يوحنا٩).

استبعَد الرب من خططه

يبدو أن أَدُونِيَّا كان أكبر أبناء داود الأحياء في ذلك الوقت، كان اثنان من إخوته الأكبر سنًا؛ أمنون وأبشالوم، قد قُتلا (٢صموئيل٣: ٣، ٤؛ ١٣: ٢٨، ٢٩؛ ١٨: ١٤، ١٥). ويبدو أن أخيه “كِيلآبَ ابْنَ أَبِيجَايِلَ”، كان قد مات أيضًا. وكانت العادة في الدول المحيطة تقود أَدُونِيَّا للاعتقاد بأنه التالي في ترتيب العرش. ومع ذلك فهو كان يعرف جيدًا أنه لم تكن هناك سابقة لذلك في إسرائيل، ولم يكن يجهل حقيقة أن الرب قال لصموئيل عن داود أبيه، وهو الأصغر بين أبناء يسى: «قُمِ امْسَحْهُ، لأَنَّ هذَا هُوَ» (١صموئيل١٦: ١٢).

كما كان أدُونِيَّا يُدرك أنه كانت هناك مناسبات أخرى في الماضي، اختار الله فيها الأصغر سنًا وفضَّله على الأكبر، مثل هابيل، يعقوب، يوسف (تكوين٤: ٤، ٥؛ ٢٥: ٢٣؛ ٣٧: ٥-٨). وكون أدُونِيَّا لم يدعُ سليمان - الذي اختاره الله ملكًا - إلى وليمته، تؤكِّد أنه لم يكن يتصرف نتيجة جهله. كان يجب أن يتعلَّم أن طرق الله ليست طرق الإنسان، لكنه اتخذ خيارًا متعمَّدًا لاستبعاد الله من تفكيره. من الضروري أن نتذكر أن الرب، وليس الإنسان، هو الذي يختار ويُبرز القادة الروحيين بين شعبه «اِحْتَرِزُوا اِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ» (أعمال٢٠: ٢٨).

كان مهتمًا بالمظاهر الخارجية أكثر من حالة قلبه

كان مثالاً حيًا لحقيقة كلمات الرب لصموئيل: «لأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الإِنْسَانُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ» (١صموئيل١٦: ٧). لقد أحاط نفسه بمظاهر وزخارف الملوك لإثارة إعجاب أتباعه: «وَعَدَّ لِنَفْسِهِ عَجَلاَتٍ وَفُرْسَانًا وَخَمْسِينَ رَجُلاً يَجْرُونَ أَمَامَهُ». ومن المحتمل أيضًا، مثلما فعل أخيه أبشالوم من قبله، أنه حاول أن يظهر بمظهر حسن ليكسب الشعب معه (٢صموئيل١٤: ٢٥، ٢٦). وقد وُصِفَ أنه «هُوَ أَيْضًا جَمِيلُ الصُّورَةِ جِدًّا». وهناك العديد من الرجال الذين تباهوا بأنهم زعماء روحيين، وطمعوا في هذا الدور، ونجحوا في كثير من الأحيان في خداع شعب الرب. إلا أن مؤهلات المرشدين الروحيين في العهد الجديد (١تيموثاوس٣: ١-٧؛ تيطس١: ٦-٩)، لها علاقة بالقلب أكثر من المظهر الخارجي.

اتسم بالعصيان وعدم الطاعة

وبالرغم من عصيان أدُونِيَّا، فقد سُمِح له - للأسف - أن يُطلق له العنان بلا رادع «وَلَمْ يُغْضِبْهُ أَبُوهُ قَطُّ قَائِلاً: لِمَاذَا فَعَلْتَ هكَذَا؟». والنتيجة أنه اعتاد على السلوك في طرقه الخاصة، وكان يعتقد أنه يمكن أن يفعل ما يحلو له. ولا شك أن سليمان تذكَّر مأساة أسرته المُفكّكة عندما كتب: «رَبِّ الْوَلَدَ فِي طَرِيقِهِ، فَمَتَى شَاخَ أَيْضًا لاَ يَحِيدُ عَنْهُ... اَلْجَهَالَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِقَلْبِ الْوَلَدِ. عَصَا التَّأْدِيبِ تُبْعِدُهَا عَنْهُ» (أمثال٢٢: ٦، ١٥). لقد نجح داود في قيادة الجيش في المعارك، لكنه لم يتمكن من السيطرة على عائلته. وقد حصد ما زرعه. لقد أدى عدم الانضباط والتقصير في تأديب أدُونِيَّا إلى عدم احترام أبيه تمامًا، لدرجة أنه كان مستعدًا لاستغلال ضعف أبيه الجسدي لتحقيق غاياته الأنانية. إن معاملة داود المتساهلة له تتناقض بشكل ملحوظ مع الطريقة التي يتعامل بها الرب مع أبنائه: «لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ» (عبرانيين١٢: ٦).

رفض بعناد أن يرى العلامات التي وضعها اللـه أمامه

يُسجل الكتاب عنه «قَدْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ بَعْدَ أَبْشَالُومَ» (ع٦)، لكنه فشل في الانتباه إلى التحذيرات التي قدَّمتها محاولة أبشالوم الفاشلة لاغتصاب العرش. من المؤكد أنه كان يعرف جيدًا نهاية أبشالوم المُهينة بين أغصان البُطمَة العظيمة المُلتفة، وكيف عُلِّق بين السماء والأرض (٢صموئيل١٨: ١٤)، ورغم ذلك اعتقد أدُونِيَّا - بحماقة - أنه يمكن أن يتبع نفس المسار وينجو بسلام بمشتهاه! ولكنه سرعان ما سيكتشف - بتكلفة كبيرة - كيف كان مخطئًا.

رفض بحماقة فرصة الرحمة المشروطة

انكشف أمر أدُونِيَّا، ووجد نفسه في وضع أكثر خطورة، فقد خسر قضيته، وأضحت حياته في خطر، فكان رد فعله الغريزي للحفاظ على نفسه فوريًا: «وَخَافَ أَدُونِيَّا مِنْ قِبَلِ سُلَيْمَانَ، وَقَامَ وَانْطَلَقَ وَتَمَسَّكَ بِقُرُونِ الْمَذْبَحِ». وكان أمل أدُونِيَّا الوحيد هو أن يجد الرحمة على يد سليمان. وعلى الرغم من أنه لا يستحق مثل هذه الرحمة، إلا أن كلمات سليمان الأولى كوصي على العرش في أورشليم كان ينبغي أن تؤدي إلى استرجاعه ورد نفسه: «إِنْ كَانَ ذَا فَضِيلَةٍ لاَ يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَلكِنْ إِنْ وُجِدَ بِهِ شَرٌّ فَإِنَّهُ يَمُوتُ»، أي “إِنْ أَثْبَتَ صِدْقَ وَلاَئِهِ فَإِنَّ شَعْرَةً وَاحِدَةً مِنْ رَأْسِهِ لَنْ تَسْقُطَ إِلَى الأَرْضِ، وَلَكِنْ إِنْ أَضْمَرَ الْخِيَانَةَ وَالشَّرَّ فَإِنَّهُ حَتْمًا يَمُوتُ”. كانت رحمة سليمان لأدونيا مشروطة؛ «إِنْ وُجِدَ بِهِ شَرٌّ فَإِنَّهُ (حَتْمًا) يَمُوتُ»، والرحمة الحقيقية ليست أبدًا على حساب البر، لذلك «أَرْسَلَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ فَأَنْزَلُوهُ عَنِ الْمَذْبَحِ، فَأَتَى وَسَجَدَ لِلْمَلِكِ سُلَيْمَانَ». لقد كان أدُونِيَّا مليئًا بالكبرياء والتمرد، لكنه تم إذلاله وتدنيه. لقد «تَرَفَّعَ قَائِلاً: أَنَا أَمْلِكُ»، ولكن قيل له: «اذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ». وقد أتيحت له كل فرصة ليُظهر جدارته بالرحمة التي مُنحت له، ومنحه سليمان كل فرصة للعيش في سلام في المملكة، ولكن كشفت الأحداث التي تلت ذلك أن توبته كانت ظاهرية فقط، وأن تواضعه لم يكن صادقًا. وفيما بعد، عادت كبريائه الجريحة وطموحاته التي أُحبطت، عادت لتشتعل في داخله. وفي الواقع فإن شهوته في أن يكون ملكًا، ظلت مُشتعلة بلا هوادة، وأدت في نهاية المطاف إلى موته المهين، فقد «أَرْسَلَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ بِيَدِ بَنَايَاهُو بْنِ يَهُويَادَاعَ، فَبَطَشَ بِهِ فَمَاتَ».

عزيزي: حذار من الكبرياء والعُجب والطموح الجامح!