باب النجار

هل فكرت يومًا فيما يفعله رجل المرور؟


يشير رجل المرور بالوقوف فتقف السيارات، ثم يشير بالتحرك فتتحرك السيارات، وهكذا يقضي يومه في إرشاد الآخرين لما يجب أن يفعلوه حتى يُحافظ على سير الأمور في الشارع بطريقة لا تُسبب زحامًا. هو أمر رائع بكل تأكيد. لكن الطريف في الأمر أن رجل المرور لا يتحرك من مكانه! هو يشير إلى الجميع بما يجب أن يفعلوه لكنه لا يفعل ما ينصح به. وقد يكون هو نفسه لا يجيد قيادة السيارات. هو فقط يقول، لكنه لا يفعل!

ما رأيك في طبيب عيون يدفعك دفعًا لإجراء عملية تصحيح نظر بالليزر لكي تستغني عن نظارتك، وبينما هو يتحدث إليك اكتشفت أنه يلبس نظارة طبية سميكة!

ما رأيك في طبيب أسنان يأمرك بطريقة حادة وبحزم شديد أن تُقلع تمامًا عن أكل الحلوى والسكريات؛ ثم تلتقي به في الشارع مساءً مع أسرته لتجد ابنه الصغير يلتهم الحلوى التهامًا! قد لا تمنع نفسك وقتها من الحديث معه غاضبًا. وربما تقول له المثل القديم الذي ذكره المسيح: «أَيُّهَا الطَّبِيبُ اشْفِ نَفْسَكَ!» (لوقا٤: ٢٣). وربما تبتسم صامتًا وتقول لنفسك: “باب النجار مخلًّع!”.

بكل أسف هناك كثيرون مثل رجل المرور وطبيب العيون وطبيب الأسنان؛ يقولون ما يجب أن يكون، يشيرون هنا وهناك، ويأمرون بالتحرك أو الوقوف، بالامتناع عن أطعمة أو تناول أدوية معينة دون أن يفعلوا هم شيئًا مما يأمرون به. قال المسيح يومًا عن الفريسيين إنهم: «يَقُولُونَ وَلاَ يَفْعَلُونَ» (متى٢٣: ٣).

عزيزي الشاب،

هناك فارق كبير بين مؤمن لديه معتقدات ومبادئ نظرية؛ وآخر يجتهد، ويُصارع، ويتعب لكي يتمم هذه المبادئ والمعتقدات في حياته. فارق كبير بين مؤمن يقول، ومؤمن يعيش. هذا الأمر له نتائج عظيمة:

١ - نتائج داخلية:

المؤمن الذي يعيش بما ينادي به، ويُطبِّق ما يؤمن به، يختبر راحة وهدوءًا وثباتًا لا يوصف. يشعر دائمًا أنه يعيش الحياة بطريقة صحيحة. وأن إيمانه ومعتقداته قابلة للتنفيذ؛ هذا بدوره يملأه بقوة ويقين أكبر بأن ما ينادي به هو حق يُعاش فيُنادي به أكثر ويعلنه بكل قوة ودون اهتزاز أو تردد. فهو يُصدَّق ما يقوله لأنه اختبره في حياته. كما أن كلامه يجد صدى وقبول ممن يسمعونه لأنه يقوله عن اختبار.

تجد هذا المؤمن أيضًا لديه إمكانية خاصة لمساعدة الآخرين في أن يعيشوا ذات الحياة لأنه سلك الطريق قبلهم، ويعرف صعوبات الطريق جيدًا، تجد لديه إجابات واقعية ومقنعة عن الكثير من المواقف والأمور التي تحدث مع من يسلك هذا الطريق.

أما من يُنادي بمبادئ ومعتقدات نظرية دون تطبيق قد تجده ماهرًا جدًا في تقديم هذه الحقائق؛ لكنه يقف عاجزًا أمام الإجابة على الكثير من الأسئلة وتفسير بعض المواقف العملية والأحداث التي يتعرض لها هو أو الآخرين. فهو لم يختبر ولم يَمُرّ بذات الطريق؛ هو كرجل المرور الذي يُحرك الجميع دون أن يتحرك من مكانه.

٢- نتائج خارجية:

حياة المؤمن الذي يُصارع ويجاهد دائمًا أمام الله ليعيش بما ينادي به؛ لها نتائج خارجية مُبهرة. تظهر في أقرب الناس إليه. كم يتأثرون بحياته، كم يحبون الحياة مع الله، ويُقدَّرون جدًا تأثير وقوة وفاعلية كلمة الله لأنهم رأوها في حياة هذا المؤمن التقي. يعرفون قيمة وتأثير الصلاة. يدركون جيدًا حلاوة وروعة حياة الإيمان والتسليم لله. فقد لمسوا واختبروا كل هذا بصورة عملية.

لهذه الحياة نتائج عظيمة أيضًا في إعلان هذه المبادئ أمام الناس. ولا أجد هنا أروع مما قاله لوقا الطبيب عن المسيح في مستهل سفر أعمال الرسل: «عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ» (أعمال١: ١). لقد كان المسيح يعيش ما يُنادي به، عاش أمام تلاميذه ما كان يُعلمهم إياه. فصدَّقوا كلامه، وآمنوا به. رأوه يومًا يُصلي فأحبوا الصلاة وطلبوا منه أن يُعلمهم أن يُصلوا (لوقا١١: ١). ولم يكتفوا بهذا، بل يكشف لنا سفر الأعمال كيف أنهم احتملوا الاضطهادات، والتعذيب، والسجون، بل سلَّموا أنفسهم للموت بعد أن آمنوا بالمسيح وتعاليمه. لقد زرع المسيح فيهم إيمانًا حقيقيًا لم تستطع الجلدات، والعصي، والنيران أن تخمده. خلق منهم أبطالاً حقيقيين لم يتراجعوا خطوة، أو يترددوا يومًا في إعلانه أمام الجميع دون خوف. لأنهم اختبروا ولمسوا بأنفسهم ما سمعوه منه.

أخي/ أختي

أدعوك الآن للصلاة طالبًا من الرب أن يفتح عينيك لكي تؤمن وتعيش بهذا الإيمان العجيب الذي يُغير وينير الحياة. اطلب من الرب ضارعًا أن يعطيك قوة ونعمة خاصة لتعيش بما تؤمن به. وتختبر ما تُنادي به ليتمجد الرب في حياتك أكثر وأكثر مستخدمًا حياتك وكلماتك لمجده وحده.