«عَمِلَ مَا هُوَ مُسْتَقِيمٌ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلكِنْ لَيْسَ كَدَاوُدَ أَبِيهِ، عَمِلَ حَسَبَ كُلِّ مَا عَمِلَ يُوآشُ أَبُوهُ» (٢ملوك١٤: ٣)، «وَعَمِلَ الْمُسْتَقِيمَ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، وَلكِنْ لَيْسَ بِقَلْبٍ كَامِل» (٢أخبار٢٥: ٢).

كان هذا تقرير الله عن حياة أمصيا الملك، ومنه يتضح أن “القلب الكامل” كان هو مقياس الله الذي وجده في داود وبحث عنه في بقية الملوك. وبكل أسف، كان أمصيا واحدًا من الكثيرين الذين بدأوا حسنًا ولم ينتهوا كذلك، إذ حاد من وراء الرب، فاختلفت أموره الأولى عن الأخيرة.

وجدير بالذكر أن هناك بعض المشابهات المثيرة بين قصة أمصيا - الذي عمل المستقيم في عيني الرب، ولكن ليس كداود أبيه - وقصة ملك آخر عمل المستقيم في عيني الرب كداود أبيه! فلقد حمل اسميهما ذات المعنى، وتولى كلاهما المُلك في عمر الخامسة والعشرين. وامتدت فترة حكم كل منهما إلى تسعة وعشرين عامًا، انقسمت إلى قسمين أيضًا؛ أربع عشرة سنة، ثم خمس عشرة. وكذلك لم تحمل الأعوام الخمسة عشر الأخيرة إنجازًا يُذكَر في حياة أي منهما، بل العكس تمامًا!

لكن أهم ما في الأمر أن كليهما أُصيبا بذات الداء “ارتفاع القلب”! ورغم هذا التشابه الكبير، إلا أن هناك أمرًا ميَّز حياة حزقيا - الملك التقي - وبسببه اختلفت نهايته عن نهاية حياة أمصيا، وهو أن حزقيا عاد وتواضع بعد ارتفاع قلبه، «وَلكِنْ لَمْ يَرُدَّ حَزَقِيَّا حَسْبَمَا أُنْعِمَ عَلَيْهِ لأَنَّ قَلْبَهُ ارْتَفَعَ... ثُمَّ تَوَاضَع حَزَقِيَّا بِسَبَبِ ارْتِفَاعِ قَلْبِهِ». الأمر الذي لم يفعله أمصيا، بل تمادى في ارتفاع قلبه - «تَقُولُ: هأَنَذَا قَدْ ضَرَبْتُ أَدُومَ، فَرَفَّعَكَ قَلْبُكَ لِلتَّمَجُّدِ» - فسقط وانكسر.

ولا عجب أن تكون هذه النقطة بالذات سببًا في تغيّر مجرى الأحداث تمامًا، لأَنَّ «اللهَ يُقَاوِمُ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَمَّا الْمُتَوَاضِعُونَ فَيُعْطِيهِمْ نِعْمَةً» (١بطرس٥:٥)، وأحد أوجه النعمة الرائعة هي التمكين الإلهي الذي يمنحه الله للمتضعين، فيستطيعوا معه أن يفعلوا ما لا يمكنهم فعله بمفردهم إطلاقًا! وهو ذات المعنى الذي حمله اسميهما، “قوة الله - قوة يهوه”!

وهي نفس الرسالة التي بعثَ الله بها لأمصيا، «لأَنَّ عِنْدَ اللهِ قُوَّةً لِلْمُسَاعَدَةِ وَلِلإِسْقَاطِ» ولقد اختبر أمصيا قوة الله للمساعدة عندما أطاع، واختبر أيضًا قوته للإسقاط عندما حاد عن الطريق المستقيم!

كان هذا هو الدرس الأول الذي نتعلمه من حياة أمصيا، درس الاتضاع!

وهو ما يقودنا للدرس الثاني، فالقلب المتضع هو قلب قابل للفحص والامتحان، وبالتالي فهو قلب تائب. وهو ما لم يكُنه قلب أمصيا! واتضح ذلك من اسكاته للنبي وتهديده بالقتل، «وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ قَالَ لَهُ: “هَلْ جَعَلُوكَ مُشِيرًا لِلْمَلِكِ؟ كُفَّ! لِمَاذَا يَقْتُلُونَكَ؟” فَكَفَّ النَّبِيُّ وَقَالَ: “قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللهَ قَدْ قَضَى بِهَلاَكِكَ لأَنَّكَ عَمِلْتَ هذَا وَلَمْ تَسْمَعْ لِمَشُورَتِي”» .

هكذا لحقَ أمصيا بقطار العِناد والكبرياء كيوآش أبيه - عَمِلَ حَسَبَ كُلِّ مَا عَمِلَ يُوآشُ أَبُوهُ - فوصل إلى ذات المحطة! إذ فتن عليه عبيده وقتلوه، تمامًا كما حدث مع أبيه إذ لم يسمع لكلمات التوبيخ بفم زكريا بن يهوياداع، بل أمر بقتله!

أما عن الدرس الثالث، فهو السلوك بالإيمان لا بالعيان.

ولقد كانت أُولى مظاهر حيدان أمصيا عن الرب هي اتكاله على المنظور، عندما تسرَّع واستأجر مئة ألف جبار بأس من إسرائيل بمئة وزنة من الفضة في حربه مع الأدوميين. مما عَكَس قلة إيمانه بالله الذي ليس عنده مانع أن يخلّص بالكثير أو بالقليل. وأيضًا عدم استشارته للرب في حربه مع إسرائيل.

وبالرغم من أخطاء أمصيا الفادحة، إلا أننا نتعلم منه درسًا في غاية الأهمية! فلقد جاءه التحذير: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، لاَ يَأْتِي مَعَكَ جَيْشُ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّ الرَّبَّ لَيْسَ مَعَ إِسْرَائِيلَ، مَعَ كُلِّ بَنِي أَفْرَايِمَ» (٢أخبار٢٥: ٧)، الأمر الذي يمكننا صياغته ببساطة كالتالي: “استغنِ عن الأشخاص الذين لا يحملون حضور الله في حياتهم”!

وأطاع أمصيا، لكن ليس قبل أن يحصل على جواب شافٍ لسؤاله الحائر، «فَمَاذَا يُعْمَلُ لأَجْلِ الْمِئَةِ الْوَزْنَةِ الَّتِي أَعْطَيْتُهَا لِغُزَاةِ إِسْرَائِيلَ؟» وهو السؤال الذي ربما يُعيق طاعتنا لله في بعض الأحيان! وما أروعه من جواب حصل عليه أمصيا، وهو جدير بأن يخصصه كل منّا لنفسه! «إِنَّ الرَّبَّ قَادِرٌ أَنْ يُعْطِيَكَ أَكْثَرَ مِنْ هذِهِ». فأيّا كان حجم الخسارة ونوعها، فالله قادر أن يعطي تعويضًا يفوقها عندما نحسب الخسارة في طاعته ربحًا!

أما عن الانحراف الذي بدأ صغيرًا في البداية، فلقد اتسع عن آخره، ذلك بتحول أمصيا عن عبادة الله. ثم بارتفاع قلبه الذي قاده لخوض حرب - لم يكن لها داعٍ - مع إسرائيل، والتي تسببَّت بخسائر فادحة له ولبيته وشعبه ومدينته ولبيت الله.

الأمر الذي يمكن إجماله في عبارة واحدة، «وَمِنْ حِينَ حَادَ أَمَصْيَا مِنْ وَرَاءِ الرَّبِّ» خسر الكل، حتى نفسه!

وما أبعد الفارق بين نوعية الحياة التي عاشها الرجل الذي بحسب قلب الله، وتلك التي عاشها أمصيا!

فأولاً، كان داود يستشير الرب، ثم يعود ويسأله حتى في الأمور التي تبدو متشابهة.

وأيضًا، بعد أن أعطاه الله النصرة على أعدائه، أمر بإحراق آلهتهم إذ كان قلبه كاملًا في عبادة الرب وحده. (١أخبار١٤: ١٠-١٤).

وثانيًا، كان لدى داود قلبًا متضعًا تائبًا. فبمجرد أن تَوَاجه بخطيته، اعترف فورًا: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ» (٢صموئيل١٢: ١٣). والرجل الذي بحسب قلب الله ليس هو الرجل الذي لا يخطئ، ولكنه الذي عندما يخطئ، يعترف بخطيته ويرتمي على رحمة الله. كمّ مزمورًا كتب داود بدموع التوبة الخالصة لله.

وثالثًا، لمع إيمان داود في اتكاله على اسم رب الجنود منذ بداية حياته (١صموئيل١٧).

وما أكثر ما كتبَ في مزاميره عن الاتكال على الله صخرته!

وأخيرًا، كانت هذه واحدة من قصص الملوك الذين بدأوا حياتهم بعمل المستقيم في عيني الرب، ولكن... ولكن بينما كانت أقدامهم تواصل السعي للأمام، فإن قلوبهم انقلبت فيهم إلى الوراء! ومع ذلك، ظل إله كل نعمة يُرسل إليهم مُبكرًا ومُكلمًا، ولكنهم أبوا الاستماع!

«الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ» (العبرانيين٤: ٧).

(يُتبَع)