حياة بلا ألم

تم تشخيص حالة الأمريكي “ستيفين بيت” منذ طفولته بمرض يدعى “Congenital Sensitivity to pain (CIP)”، وهو مرض خطير جدًا يتسبب في انعدام الإحساس بالألم، مثلًا يمكن أن المريض يسير على سطح شديد السخونة أو البرودة، حتى إذا وخزت جسده بمسمار، أو كسرت عظامه؛ لا يشعر بألم ولا تسمع من فمه كلمة “آه” ولا ترى في عينيه دمعة ألم أو وجع!

وأثناء حوار تليفزيوني معه، قال ستيفين: “الألم هو إحدى هبات وعطايا الله للإنسان، لكن – للأسف - حُرمت من الإحساس بالألم. فعندما كنت طفلًا صغيرًا، لاحظ والديَّ حينما كنت في مرحلة التسنين، أنني أعض على لساني وأجرحه من دون أي شعور بالألم، أيضًا كنت لا أبكي عندما أجرح نفسي أو أُصاب أثناء لعبي مع زملائي.

فأخذاني إلى المستشفى وتم وخزي بالإبر، فلم أشعر بأي ألم؛ وعندها تم تشخيصي بمرض الـCIP. وتوقع الأطباء أنني لن أعيش أكثر من ١٥ عامًا”. ثم أضاف: “عمري الآن ٤٠ سنة. عشت حياة متهورة جدًا، كسرت حوالي ٨٠ عظمة من جسدي ولم أشعر بأي وجع! أنا حاليًا أعيش بمعجزة، فليس لدي أهم جهاز إنذار للإنسان وهو الألم، لا أشعر بصداع، أو وجع في البطن، أو الظهر وغيرها من الآلام الجسدية التي يمر بها الإنسان مما يستدعي ذهابه للطبيب”.

أحبائي:

أعتقد أن قصة حياة “ستيفين بيت” لَهي جديرة بتغيير نظرتنا للألم؛ فكثيرًا ما ننزعج من فكرة الألم في جوانب مختلفة للحياة، لكن من خبرة شخص يحيا “حياة بلا ألم” اتضح كم هو مهم جدًا الآلام للحياة الإنسان. لذا دعونا نفكِّر سويًا في بعض الأفكار حول ذلك الأمر الشائك “لماذا الألم؟!” ولماذا يسمح به الله لأبنائه الغاليين جدًا على قلبه. دعني أشاركك يا عزيزي بثلاثة أنواع للآلام:

(١) آلام وعذاب التساهل مع الخطية

الحياة عامة، والكتاب المقدس خاصة، يعلماننا أن لكل زرع حصاد «لاَ تَضِلُّوا! اَللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا» (غلاطية٦: ٧). لذا فإن حصاد الخطية هو مرار وعناء. فهل تذكر يا عزيزي كيف حصد لوط البار حصاد المرار له ولأسرته لأنه رفض سكن الخيام وانعزل عن عمه إبراهيم ليسكن في سدوم وعمورة: «كَانَ الْبَارُّ، بِالنَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَهُوَ سَاكِنٌ بَيْنَهُمْ، يُعَذِّبُ يَوْمًا فَيَوْمًا نَفْسَهُ الْبَارَّةَ بِالأَفْعَالِ الأَثِيمَةِ» (٢بطرس٢: ٨). وما أصعب آلام النفسية للخطية وتبعياتها.

(٢) آلام التزكية والترقية

فقد يسمح الله في حكمته لأبنائه ببعض الظروف الصعبة والضيقة لتدريبهم وتشكيلهم لإظهار مجده من خلالهم. وقد يسمح بهذا سواء بالفقر، أو المرض، أو الظلم في العمل أو الحياة. لنتذكر يوسف الذي باعه إخوته، وحُرم من أبيه، ثم سُجن ظُلمًا على خطأ لم يرتكبه، وهناك عانى مرارة النسيان من ساقي فرعون له لمدة عامين!

لكن ما أعجب توقيتات الله حين يضع حدًا للآلام، يقول الكتاب: «فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ وَدَعَا يُوسُفَ، فَأَسْرَعُوا بِهِ مِنَ السِّجْنِ. فَحَلَقَ وَأَبْدَلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ عَلَى فِرْعَوْنَ» (تكوين٤١: ١٤). إن سمح الرب لنا بآلام لتزكية الإيمان، دعونا نرفع عيوننا إلى العلاء من حيث يأتي عوننا لأنه: «جَيِّدٌ أَنْ يَنْتَظِرَ الإِنْسَانُ وَيَتَوَقَّعَ بِسُكُوتٍ خَلاَصَ الرَّبِّ» (مراثي إرميا٣: ٢٦).

منتظرك ولأنك جوه في مركبي أنا في أمان

منتظرك والوعد أهو صالب طولي مع الإيمان

منتظرك وأصبر ع المُرّ يمر مهما إن كان

منتظرك وأصرخ لك أسند عبدك أنا إنسان

(٣) آلام الانتساب والتبعية

وهذا النوع من الآلام قد يبدو صعبًا ومؤلمًا جدًا في مظهره، إذ يسمح الله لأبنائه بالاجتياز في آلام الاضطهاد أو الرفض بسبب انتسابهم للرب يسوع الذي قال: «قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِيَكُونَ لَكُمْ فِيَّ سَلاَمٌ. فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يوحنا١٦: ٣٣)، و«طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِينَ» (متى٥: ١١).

وقد تصل هذه الآلام إلى ذروتها بالطرح في أتون نيران أو جب الأسود وفيها نختبر يده ومعيته.

«لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ، مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقْ، أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ. (مزامير٩١: ١٤، ١٥).

أدرك تمامًا مدى صعوبة ذلك النوع من الآلام، وأعرف أنه ليس بالسهل علينا مواجهته، لكن إذا سمح الرب لقصد سامي عنده وقتها نتذكر وعده:

«لاَ تَخَفِ الْبَتَّةَ مِمَّا أَنْتَ عَتِيدٌ أَنْ تَتَأَلَّمَ بِهِ... كُنْ أَمِينًا إِلَى الْمَوْتِ فَسَأُعْطِيكَ إِكْلِيلَ الْحَيَاةِ» (رؤيا٢: ١٠).

حملوا الصليب وما استحوا بي في البشر

بل ما ابتغوا حظًا سوى اسمي المُحتَقر

فليجلسوا حولي على عرش الظفر

وليلبسوا أكاليل مجد قد بهُر

وليشبعوا من نعمة بيميني