دعوة ملكية لمبارة كروية

أثناء فَعالياتْ مُباراة كُرة قدم بين الأُردُن وأُسترالِيا في بطولة آسيا لعام ٢٠١٩، اِندمج عامل نَظافة أُردني يُدعى “خالد الشمولي” مع أحداث المُباراة التي تَلعب بلادهُ طَرفًا فيها. كَان “الشمولي” يتابع المُباراة من خَلف زجاج أحد المَقاهي بالشارع حَتى يتجنب دَفع مَصاريف الجلوس في المَقهى أو تَكلفة المشروبات والمأكولات أَثناء مُشَاهدة المُباراة.

اِنتَشَرت صورة خالد على نِطَاق وَاسع في كَثير من وَسائل التَواصل الاِجتماعي، وَاقفًا خلف زُجاج المَقهى مُرتديا زي عُمال النَظافة. اِنتاب القلق قلبه إِذ لم يكن يتوقع أن اِنجذابه ومتابعتهُ لأحداث المباراة، قد جَعل الكثيرون يتابعونهُ مَا بين مؤيد ومُعَارض لِفعلته. لكن المُدهش أنه لم تمضِ أَيام حَتى وَصلتهُ دَعوة من الدِيوان الَملَكي لِحضور المُباراة القَادمة لِمنتخب بلادهُ (الأُردُن) أمام نظيرهُ السوري في القصر المَلكي بالعاصمة الأُردُنية عَمَان. فقد أَعجب مَلك البلاد “الملك عَبدَ الله الثاني” بوَطنية وَانتماء العامل لبلاده؛ لِذا أَرسَل لهُ دَعوة خاصة لمُشاهدة المُباراة التالية لمُنتخب بلادهُ في القصر المَلَكي. إِنتَهت المُبارة بِفوز الأُردُن بنتيجة ٢/ ٠، وانتشَرت صورة خالد الشمولي مرة أخرى، لكن هذه المَرَّة وَهو يُشاهد المُباراة ليس من خَلف زجاج المَقهى، بل جالسًا في الوَسط بين الملك ووَلي العهد في القصر الملكي!!

أعزائي.. أَعتقد إِنكم قد أُعجبتم معي بحسن تَصَرُّف الملك الذي أَراد إِكرام أحد مَواطنيه بعد أن رَأى فيه إِخلاصًا وحماسًا لمُنتخب بلادهُ، فدَعاهُ ليلتقي به شخصيًا وَيشاهد معه المُباراة في القصر الملكي. وأودّ هنا أن أشارككم بثلاثة دروس على قلبي:

هوية وانتماء

غالبًا ما نتفاعل مع الأحداث الوطنية، خاصة في المباريات الدولية حيث تتجمع كل فئات الشعب لمتابعة منتخباتها القومية، فتنساب مشاعر الحب والوطنية الصادقة، وكم يكون الفخر والفرح للشعوب في حال الفوز بالبطولات الدولية. فنحن كثيرًا ما نبحث عن هوية لحياتنا، وقيمة وسند لنفتخر به أمام الجميع.

وهنا لنا نموذج رائع لشخص – بولس الرسول - وجد ما يفتخر به أمام العالم إذ قال: «أَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (غلاطية٦: ١٤). فما أحلى وأقيم صليب المسيح في عيون كل من اختبر خلاصه وغفرانهُ الثمين. لقد أدرك الرسول بولس القيمة الحقيقية والهوية الجديدة لحياة محورها شخص المسيح فصرَّح قائلاً: «لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ» (فيلبي١: ٢١).

فهل وجدت الهوية الحقيقية للحياة؟ ولمن تنتمي؟ وما هو موضوع افتخارك؟

مائدة الشرفاء

إن قراءة الخبر ورؤية صور الملك وولي العهد مع عامل النظافة وهم يشاهدون المباراة، يذكرنا بالإحسان الذي عمله الملك داود مع مفيبوشث المسكين (٢صموئيل٩)، إذ استضافه الملك على مائدته، بالرغم من أن مفيبوشث أعرج من رجليه كلتيهما، وكان عدوًا للملك، بل وهاربًا من وجهه. فاستدعى الملك داود مفيبوشث وأجلسه على مائدته بعد أن وعده «فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: “لاَ تَخَفْ. فَإِنِّي لأَعْمَلَنَّ مَعَكَ مَعْرُوفًا مِنْ أَجْلِ يُونَاثَانَ أَبِيكَ، وَأَرُدُّ لَكَ كُلَّ حُقُولِ شَاوُلَ أَبِيكَ، وَأَنْتَ تَأْكُلُ خُبْزًا عَلَى مَائِدَتِي دَائِمًا”» (٢صموئيل٩: ٧). ما أحلى النعمة التي حوَّلت شخصًا مطاردًا قال عن نفسه للملك: «مَنْ هُوَ عَبْدُكَ حَتَّى تَلْتَفِتَ إِلَى كَلْبٍ مَيِّتٍ مِثْلِي؟» (٢صموئيل٩: ٨)، إلى أحد الجالسين على مائدة الملك ليأكل معه دائمًا.

دعني أذكِّرك برب داود الذي تغنى له يومًا قائلًا: «تُرَتِّبُ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ. مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأْسِي. كَأْسِي رَيَّا. إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ» (مزمور٢٣: ٥-٦). فهو الذي تنازل إلينا بحب عجيب ورفعنا نحن الضعفاء والأدنياء ليعلي مقامنا ويرفع من شأننا فهو تبارك اسمه: «الْمُقِيمِ الْمِسْكِينَ مِنَ التُّرَابِ، الرَّافِعِ الْبَائِسَ مِنَ الْمَزْبَلَةِ. لِيُجْلِسَهُ مَعَ أَشْرَافٍ، مَعَ أَشْرَافِ شَعْبِهِ» (مزمور١١٣: ٧-٨).

جبتني من المزابل

وصنعت لي اسم جديد

وكنت راجع وقابل

تقبلني ضمن العبيد

قلبي أسير نعمتك

إكرام بعد عناء

تم توجيه الدعوة لعامل النظافة البسيط لحضور المُباراة بالقصر الملكي، ليس بحكم شهرته، أو منصبهُ أو سلطانه، لكنها كانت بناءً على إعجاب الملك بأحد أبناء شعبه المُهتمين بمنتخب بلاده رغم فقره وبساطته «مَاذَا يُعْمَلُ لِرَجُل يُسَرُّ الْمَلِكُ بِأَنْ يُكْرِمَهُ؟» (استير٦: ٦).

وهنا أقف منبهرًا أمام محبة الله الغنية ونعمته العظيمة التي تفاضلت إلينا جدًا إذ رأتنا في ضعفنا وفقرنا وذلنا، فانتشلتنا من بحور الخطايا والشرور، وأعطتنا مكانًا ساميًا وعاليًا لديه «للهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ - وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ« (أفسس٢: ٤-٧).

صديقي وصديقتي: إن باب النعمة ما زال مفتوحًا على مصراعيه أمامك، فهل تقبل دعوة المسيح إليك لتقضي معه الأبدية بطولها؟ ليس في قصر أرضي لساعات معدودة، لكن في بيت الآب في العُلى، وإلى أبد الآبدين. فهو الذي قال: «فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» (يوحنا١٤: ٢-٣). ليتك لا ترفض دعوة ملك الملوك الصادقة والكريمة.

نعمة غنية اتجهت لي

فكت نفسي من العبودية

لما ناداني يسوع ودعاني

في الحال قلبي اتغير فيّ

صلاة

سيدي الغالي المسيح.. من أنا لتصنع لي كل هذا الإحسان؟ أعطيتني أسمى مقام، وضمنت لي في بيت الآب مكان، مُتَّ بدلاً عني على صليب العار والهوان، آتي إليك وكلي إيمان في قوة دمك للحرية والغفران.