عظماء في مصر وأمريكا أيضاً

شدتني مواظبتها على حضور الاجتماعات الروحية، وانتباهها وتركيزها الشديد؛ فهي تسمع كلمة الله لا بأذنيها فقط، بل بكل جوارحها وحواسها، وكأنها تأكل الكلام أكلاً، فالخادم عندما يقف ليتكلم، يرى المستمعين جميعًا المنتبه والمنصرف، اليقظ والنائم، الفرح والحزين. لكن هذه المرأة تستمع بشكل مختلف. غابت عن الإجتماع ذات ليلة وشعرنا بفراغ شديد قد تركته. سألنا عن بيتها، وذهبنا لنفتقدها.

دخلنا وجلسنا، وأحسست بفقرها الشديد من خلال أثاث بيتها، فهو بدائي، بسيط وقديم، ورغم ذلك رحَّبت بنا بابتسامة عريضة وحفاوة كبيرة. فشجعتها قائلاً لها: “إن حضورك كل مساء يشجِّعنا ويُفرِحنا، لذلك لم نستطع أن نحتمل غيابك، فلعل سبب الغياب خيرًا”. فأجابت بتلقائية شديدة وببساطة الأطفال: “أنا غبت عن الاجتماع امبارح لأن اليوم كله ضاع في الغسيل”. فظننت أنها لا تمتلك غسالة ملابس، فجال بخاطري أن نشتري لها غسالة ولو عادية أو نصف اوتوماتيك، ولِمَ لا؟ فهي أختنا، وتحب الرب وتخدمه وتعبده بل وتنتظره مثلنا. لكن أردت أن أتاكد من ذلك أولاً، فقلت لها: “يا ماما إنتي معندكيش غسالة كهربائية، وبتغسلي بايديكي؟!” فقالت: “لا يا ولدي أنا كنت بغسل الكلى مش الهدوم، أصل الرب بيحبني وجرَّبني، وأنا راضية وفرحانة، والدكتور بيغسلي أربع مرات في الأسبوع، وبرجع على بيتي بدري قبل كل الناس اللي بتغسل معايا، وقبل دخول الليل، ومش باسيب الاجتماع ولا ليلة”.

كنا نسمع هذه الكلمات بذهول شديد، فتسمرت في مكاني، وتجمدت الكلمات في لساني، ولم أستطع أن أنطق ببنت شفة، وسالت الدموع غزيرة من عيوننا وذهبنا بها إلى الرب، وسكبنا نفوسنا أمامه فهو يستحق أن نقدم له الكل، لكن الحقيقة إننا شعرنا بصغرنا وعدم أمانتنا أمام محبة وتكريس هذه المرأة الفقيرة المتألمة والمجربة، وطلبنا من الرب أن يرحمنا من حالة الكسل والبلادة من جهة، والأنانية وعدم الأمانة من الجهة الأخرى.

وتكرر هذا المشهد الرائع مرة أخرى، ومع إمرأة فاضلة أخرى أيضًا، لا في صعيد مصر بل في لوس أنجلوس بأمريكا، ليست فقيرة بل طبيبة ميسورة الحال، وتذهب بسيارتها وبمفردها لإجراء غسيل الكلى dialysis)) وتعود من المستشفى لتحضر أيضًا الاجتماع، رغم الصداع والدوار والحاجة إلى الراحة. إنه نفس الحب وذات الغرض، قلوب مكرَّسة، مُحِبَة للمسيح الذي أحبنا حتى الموت.

صديقي العزيز.. صديقتي العزيزة:

- هل تبغي إكرام الرب وتمجيده حتى لو سمح لك الرب في حكمته ببعض الألم.

- إن ذهابك للمدرسة أو الكلية، أو حضورك اجتماع الكنيسة بابتسامة وشكر، لَهو خدمة جليلة، عظيمة الأثر، بل وأقوى من الكلام والوعظ الكثير.

- إن القوة الدافعة للشهادة رغم الآلم هو: النظر المستمر للمسيح، كما يقول المرنم:


ليتني أنظر دومًا


إلى من عني احتمل


حتى لا أخور يومًا


في سعيي ورا الحمل

فالنظر إلى المسيح يعطي قوة للخدمة والشهادة يقول الرسول: «لأَنَّكُمْ لِهَذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ» (1بطرس2: 21). لذلك ليتنا نرتمي عليه، ونستودع أنفسنا بين يديه ، «فَإِذًا، الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ كَمَا لِخَالِقٍ أَمِينٍ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ» (1بطرس4: 19). إن الرسول بطرس هنا لا يصف الرب بأنه: “مخلص أمين” أو “كديان أمين” لكن “كخالق أمين”؛ فالخالق يعرف قدراتي، وامكاناتي وهو المسؤول عن سداد احتياجاتي.

دعونا نثق في محبته، ونقتدي به، ونعيش له، نمجِّده ونكرمه، حتى ولو سمحت حكمته لنا ببعض الألم، أو شيء من الحرمان.