2021 167

الوردة الفواحة

Bookmark and Share

«ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ مُنْتَبِهٌ إِلَى بَيْتِ مَرْيَمَ أُمِّ يُوحَنَّا الْمُلَقَّبِ مَرْقُسَ، حَيْثُ كَانَ كَثِيرُونَ مُجْتَمِعِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَلَمَّا قَرَعَ بُطْرُسُ بَابَ الدِّهْلِيزِ جَاءَتْ جَارِيَةٌ اسْمُهَا رَوْدَا لِتَسْمَعَ. فَلَمَّا عَرَفَتْ صَوْتَ بُطْرُسَ لَمْ تَفْتَحِ الْبَابَ مِنَ الْفَرَحِ، بَلْ رَكَضَتْ إِلَى دَاخِل وَأَخْبَرَتْ أَنَّ بُطْرُسَ وَاقِفٌ قُدَّامَ الْبَابِ. فَقَالُوا لَهَا: “أَنْتِ تَهْذِينَ!”. وَأَمَّا هِيَ فَكَانَتْ تُؤَكِّدُ أَنَّ هكَذَا هُوَ. فَقَالُوا: “إِنَّهُ مَلاَكُهُ! وَأَمَّا بُطْرُسُ فَلَبِثَ يَقْرَعُ. فَلَمَّا فَتَحُوا وَرَأَوْهُ انْدَهَشُوا”» (أعمال١٢: ١٢-١٦).

اسم “رَوْدَا” معناه “وردة”؛ قد لاح جمال شخصيتها وفاح شذا رائحتها الحلوة الذي لم يزل ينعشنا إلى اليوم. مع أنها جارية صغيرة، لكن قصد الروح القدس أن يسجل اسمها بواسطة لوقا الطبيب. اسم رودا هو الاسم الوحيد الذي يُذكر بين القديسين المجتمعين في البيت في ذلك اليوم. يا للشرف والامتياز العظيم! نعرف من الكتاب أن بطرس التقى بثلاث جواري، التقى بجاريتين في حادثة انكاره (متى٢٦: ٦٩-٧٤) ولم يذكر الكتاب اسميهما، لكن ها هي مرة أخرى يلتقي فيها بطرس مع جارية لكن شتان الفرق بين هذه الوردة الفيحاء وأمثال هؤلاء النساء. هذه الفتاة ربما لم تلفت انتباه كثير من دارسي كلمة الله، لكن دعونا في هذا المقال نتأمل في بعض صفاتها الحلوة والتي جمَّلتها بها نعمة الله. مع أن رودا لم توصف بأنها تلميذة أو خادمة الكنيسة بل مجرد جارية صغيرة، لكن قصتها القصيرة تمتلئ بالتعاليم والدروس الأدبية النافعة لنا.

١- رودا الجارية الحرة

كانت “رَوْدَا” جارية، واسمها اسم أُممي، وحالتها الاجتماعية ومركزها كخادمة في بيت تجعل احتمال كونها ليست يهودية واردًا. لكن ما أسمى العلاقة التي ربطتها العلاقة بالمؤمنين المجتمعين وما أحلى هذه الشركة والوحدة المُعطاة بالإنجيل، يستنتج البعض أن مريم أم يوحنا مرقس وأخت برنابا كانت امرأة مُقتدرة من أورشليم، وكانت تمتلك بيتًا كبيرًا يسَع عددًا كبيرًا من المؤمنين. وربما أتى برنابا بهذه الجارية من قبرص إذ كان قبرصي الجنسية. عمومًا العلاقة بين صاحب البيت والعبيد ليست دائمًا طيبة، فقد يشوبها الشك أو الخوف أو الإحساس بالظلم. هنا نجد هذه الجارية الأُممية، وقد حررتها النعمة من عبودية الخطية ومتعتها بدفء وحلاوة المحبة الأخوية وشرفتها بأن تكون هي ومريم أم يوحنا معًا على ركبيهما في اجتماع الصلاة. كلمة الله لا تحرض على حركات اجتماعية أو ثورات شعبية للتنديد أو لإيقاف نظام الرّق القاسي لكنها أرست مبادئ راقية، عملت أولاً في ضمائر المؤمنين، فكان لهم تأثيرهم المبارك على المجتمعات التي وضعت حدًّا لهذه العبودية. نذكر على سبيل المثال ما فعله الرئيس الأمريكي ابراهام لنكولن الذي كان يكن لكلمة الله تقديرًا عظيمًا فقال: إن الكتاب المقدس هو أعظم هدية أعطاها الله للإنسان. وقال أيضًا: إن الناس ولدوا أحرارًا فكيف نجعلهم عبيدًا؟ فأصدر قانون “تحرير العبيد” النظام الذي كان سائدًا في أيامه. خلعوا عليه لقب “محرر العبيد”، فصار السادة والعبيد جميعًا عبيدًا للرب يسوع المسيح.

٢- رودا الخادمة الأمينة المستعدة

لما وصل بطرس البيت الذي كانوا مجتمعين فيه، كان الوقت متأخرًا، ربما بعد منتصف الليل، لكن كانت هذه الخادمة الأمينة ساهرة ويقظة، مفتوحة الأذنين والعينين، مستعدة للخدمة. كانت تشاركهم الصلاة في ذلك الوقت. لكن امتياز الشركة مع المؤمنين ومساواتها لأهل البيت في الرب لم يجعلانها تتخلى عن مسؤوليتها كخادمة في البيت. بدون تردد ارتدت ثوب الشجاعة وركضت نحو الباب لترى من الطارق في هذا الوقت المتأخر من الليل.

٣- رودا النابهة الواثقة والمثابرة

ميزت رودا صوت بطرس بسهولة وبسرعة. يا ترى هل كانت تسمع لبطرس وهو يعظ بتركيز شديد؟ أم كانت تهتم أن تصغي لأحاديث الشركة الحلوة له مع المؤمنين؟ على أية حال، عرفت صوته بدون أدنى شك ومن شدة فرحها لم تفتح الباب في الحال لعلها أرادت أن تخبر الكنيسة المجتمعة في البيت بهذا الخبر السار، فالرب يسمع الصلاة ويصنع المستحيلات. الصلاة تحرك يد الله القديرة التي لا تمنعها قوى الشر وقوات الجحيم. كانت واثقة في الاستجابة السريعة للصلوات التي صارت من الكنيسة.

مع أن صلاتهم حقيقية ولم ينقصها اللجاجة وقد جاءت الاستجابة ووصلت إلى باب البيت، لكن كان ينقصهم الثقة في قدرة الرب على إنقاذ خادمه. صحيح أنهم لم يصدقوا الخبر وعلت وجوههم الدهشة عندما رأوا بطرس لكن الرائع والمعزي في الأمر إن استجابة الرب تتوقف على أمانة الرب التي تفوق مستوى إيمان المؤمنين. ومن هذا الحدث المُشجِّع نتعلم قوة وفاعلية الصلاة. قال واحد: لو كانت الكنيسة في كل أجيالها، وفي أوقات محنتها أو كربها، حفظت لنفسها هذا السلاح الوحيد المسموح لها به، لكانت أشد بأسًا وأقوى سلطانًا، ولخرجنا من المنطقة المظلمة التي يُخيم عليها اليأس والحيرة إلى منطقة الرجاء المتوهجة بنور الوعود الإلهية.

٤- رودا الوديعة المهذبة

لما أخبرتهم ظنوها تهذي وقالوا لها كذلك. هم انتقدوها لكنها لم تنشغل بالدفاع عن كرامتها ولم تنتقد عدم إيمانهم، بل استمرت في اصرارها مؤكدِة لهم أنه بطرس. هذه الفتاة المهذبة لم تتجاهلهم كما لم تجادلهم عندما قالوا لها إنه ملاكه. يا لذوقها الرفيع! الذي كان يشغلها فقط هو إعلان الخبر السار وتأكيده بإصرار. الوداعة هي زينة أدبية تجَمِّل المؤمن عامة في دائرة العلاقات وبصورة خاصة عندما يُهان أو يساء الظن به من المقربين. ما أجمل هذه الزينة التي تظل ناضرة ومؤثرة على مر الزمان. جميل أن يتزين بها الرجال وتكون أكثر حلاوة وجاذبية إذا تزينت بها النساء... «زِينِة الرُّوح الوديع الهادئ، الذي هو قُدَّام الله كثير الثمن» (١ بطرس٣: ٤).

أيمن يوسف
 

الصفحة الرئيسية - إتصل بنا - نبذة عن المجلة

كتّاب المجلة - أعداد نحو الهدف السابقةصفحة البحث

©2010 Nahwal Hadaf