2020 166

وسائل الإيضاح

Bookmark and Share

بعد أن تعرفنا على مصدر تعاليم المسيح، والشهادات التي تحصَّل عليها، وكذلك الأماكن المتنوعة التي كان يعلِّم منها، ووسائل الإيضاح التي استخدمها وكان أولها الخبرة. ننتقل هنا إلى وسيلة إيضاح ثانية استخدمها المسيح المُعلِّم بكل مهارة، لشرح تعاليمه العميقة جدًا، في زمن لم يكن فيه برنامج الباوربوينت ولا أفلام تسجيلية، ولا أي لوحات أو رسومات توضيحية.

ثانيًا: الطبيعة

يبدو استخدام المسيح للطبيعة كوسيلة إيضاح سهلاً لدى البعض، لأنها مُتاحة أمام الجميع، ويمكن للكل متابعة ظواهرها، لكن لم يكن الأمر بهذه السهولة، لأنه بينما كانت الناس تُعاين الطبيعة كل يوم، لكنهم للأسف اعتادوا على كثير من عجائبها، واختفت عنهم الكثير من دروسها.

من الحيوانات: الثعالب

ولنبدأ بهذا العنصر من الطبيعة، فنقرأ مثلاً عن المسيح «فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ وَقَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِب أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ» (متى٨: ١٩، ٢٠ ولوقا٩: ٥٧، ٥٨)، فهذا الإنسان الراغب في تبعية المسيح أراد معرفة طبيعة الأماكن التي يمكن أن يقيم فيها المسيح؛ فإن كانت مريحة سيتبعه، وإن كانت مُتعبة قد يعيد النظر في تبعيته.

ولهذا عندما ردَّ عليه المسيح المُعلِّم، استخدم الثعالب كوسيلة إيضاح، وقارن نفسه بها؛ فرغم أن الثعالب تقضي كل يومها في الخارج بحثًا عن فريسة تقتلها، بفضل تمتعها بعين ثنائية الرؤية تجعلها ترصد بدقة حركة ضحاياها، لكنها في النهاية تعود لأوجرة قد حفرتها، وهي عبارة عن أنفاق تحتوي على غرف متعددة تستخدمها الثعالب للنوم وتخزين الطعام.

وبالمفارقة مع الثعالب؛ فمع أن المسيح يقضي يومه كله لإحياء النفوس الضالة وافتقاد العائلات المسكينة، إلا أنه لم يكن له بيت دائم، وكثيرًا ما قضى لياليه في الجبال وسط البرد ووحوش البرية، صحيح أن الله رتَّب له بيوتًا قد تستضيفه بشكل مؤقت (مثل بيت مرثا ومريم ولعازر)، لكن كان طابع حياة المسيح هو عدم البحث عن الراحة والرفاهية، وعلى من يريد أن يتبعه بشكل حقيقي، أن يُسلِّم نفسه لقيادته، بغض النظر عن مكان تبعيته.

ولم يكن هذا هو استخدام المسيح الوحيد للثعلب، لكن في موقف أخر نقرأ «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلِينَ لَهُ: اخْرُجْ وَاذْهَبْ مِنْ ههُنَا، لأَنَّ هِيرُودُسَ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَكَ. فَقَالَ لَهُمُ: امْضُوا وَقُولُوا لِهذَا الثَّعْلَبِ: هَا أَنَا أُخْرِجُ شَيَاطِينَ، وَأَشْفِي الْيَوْمَ وَغَدًا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أُكَمَّلُ» (لوقا١٣: ٣١، ٣٢). وهنا أكثر من قصد لوصف المسيح لهيرودس بأنه ثعلب.

القصد الأول، هو وصف مكر هيرودس الشديد، فقبلها بثلاثة إصحاحات نقرأ «فسَمِعَ هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرُّبْعِ بِجَمِيعِ مَا كَانَ مِنْهُ، وَارْتَابَ... وَكَانَ يَطْلُبُ أَنْ يَرَاهُ» (لوقا٩: ٧، ٩). فبينما كان هيرودس هو المرتعب من المسيح، وفي نفس الوقت كان يطلب أن يراه، فإذ به يُرسل رسالة تهديد للمسيح، لكي يخرج من مناطق سُلطته في الجليل، على اعتبار أن المسيح هو الخائف منه وليس العكس!! وهنا قمة الخبث.

أما القصد الثاني، فقد كان توبيخ المسيح لمكر الفريسيين أنفسهم، لأنهم حملوا رسالة تهديد هيرودس للمسيح بكل فرح، وهم يقولون: اخرج واهرب من هنا، وكأنَّ الفريسيين قلقون على حياة المسيح، وهم من قاموا بعدة محاولات لاغتياله علنًا!!

أما القصد الثالث من استخدام المسيح لوصف هيرودس كثعلب، هو نفي صفة الهروب عن المسيح نفسه!! فمن المعروف أن الأوجرة التي تحفرها الثعالب في الصخور تحتوي على العديد من المخارج، لتتمكن من الفرار إذا تعرضت لهجوم الحيوانات المفترسة، والمعنى المقصود من المسيح، أنه لا يحتاج للهرب (مثل الثعالب) من أي أخطار طالما في مشيئة الله، وسيُكمل خدمته حتى الصليب، وهذا تم بالفعل فنقرأ «فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: قَدْ أُكْمِلَ. وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ» (يوحنا١٩: ٣٠)، وهنا كان للمسيح مكان يسند فيه رأسه.

من الطيور: النسور

وهنا نأتي لعنصر آخَر من الطبيعة، وسأكتفي فقط بما ورد في حديث المسيح النبوي لتلاميذه «لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ وَيُعْطُونَ آيَاتٍ عَظِيمَةً وَعَجَائِبَ... فَإِنْ قَالُوا لَكُمْ: هَا هُوَ فِي الْبَرِّيَّةِ! فَلاَ تَخْرُجُوا. هَا هُوَ فِي الْمَخَادِعِ! فَلاَ تُصَدِّقُوا... هَا أَنَا قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ... لأَنَّهُ حَيْثُمَا تَكُنِ الْجُثَّةُ، فَهُنَاكَ تَجْتَمِعُ النُّسُورُ» (متى٢٤: ٢٤-٢٨).

فالمسيح يحذر اليهود، أنه في المستقبل سيدّعي الكثيرون كذبًا أنهم مسحاء وأنبياء، ويأتون للأمة اليهودية التي تكون ماتت حينها وأصبحت بلا نفع، تمامًا مثل الجثة الهامدة المتعفنة، لأنها رفضت المسيح الذي جاء خصيصًا لها.

واستخدم المسيح النسور كوسيلة إيضاح لسببين؛ الأول لأن النسور تجوب السماء بسرعة رهيبة حتى ترى فريستها، ثم تنقض على الجثث بسرعتها، وهكذا ستكون الضربات والويلات متلاحقة كانقضاض النسور على جثة الأمة اليهودية.

أما السبب الثاني لهذا الوصف، لأن النسور تنتقي ما تأكله من الجثة، فلا تأكل كل شيء، وهكذا ستكون دينونة المسيح على الأمة اليهودية؛ لأنه في المستقبل ستكون هناك بقية تقية تقبله، وترفض أن تخضع للنبي الكذاب، وهذه الفئة لن يدينها المسيح، ولكنها ستنضم لمُلكه السعيد.

يا لك من معلم ماهر أيها المسيح الإنسان... تعرف كيف تختار مثالك وكيف توظفه لشرح تعاليمك... ألهذا الحد درست سلوك الطيور والحيوانات... عرفت أين تسكن وكيف تهرب؟! ماذا تأكل وكيف تأكله؟ واستخدمت أمثلتك إما لوصف الواقع بكل أمانة... أو التنبؤ للمستقبل بكل دقة... فيا لك من معلم عظيم!!

فادي كيرلس
 

الصفحة الرئيسية - إتصل بنا - نبذة عن المجلة

كتّاب المجلة - أعداد نحو الهدف السابقةصفحة البحث

©2010 Nahwal Hadaf