2018 151

اسند سلمك في المكان الصحيح

Bookmark and Share

صعد الكثير من البشر سلّم المجد والشهرة والنجومية وسقطوا من أعلاه منتحرين إذ لم يشبع ذلك فراغ نفوسهم. لم يشبعهم تحقيق الذات، لم يجسِّم نجاحهم حتى زورق نجاة ليعبروا به فوق أمواج بحر الحياة المظلمة.

آخرون صعدوا سُلم الغنى والثراء الفاحش، فقد كوَّنوا ثروات طائلة بكل السُبل المشروعة وأحيانا غير المشروعة. ولا مانع من بعض الأمراض المُصاحبة والناتجة عن اللهث والسعي والضغط لتحقيق حُلمهم المنشود، فبنوا قصورًا لم يسكنوها وأرصدة لم تتعدَّ بالنسبة لهم أكثر من رقم ببنط عريض على ورقة تأتيهم في نهاية كل شهر. وانتهى بهم الحال، ولم يتبقَ في أعمارهم بقية ليستمتعوا بما كنزوا. تركوها جميعًا لأولادهم الذين دمروا أنفسهم في عيش مُسرف وراحوا ضحية ميراث لم يتعبوا فيه. وآخرون ماتوا بحسرة رهيبة لخسارة تعب وشقاء العمر بين ليلة وضُحاها.

غيرهم تدرَّجوا سُلم الوظيفة والمركز، عاشوا للإنجاز، عاشوا ليسمعوا المديح من البشر، صعدوه درجة تلو الأخرى في لهثٍ رهيب، وعطش غير مُروى. وفي نهاية المطاف، سكنوا بيوتهم في اكتئاب شديد ولم يتبقَ لهم غير بضعة قصص وذكريات مملة يحكونها لك عشرات المرات في كل مرة تُقابلهم فيها.

ركب غيرهم السُلم المستدير، سُلم العائلة، فعاشوا لشريك حياتهم أو لأولادهم بشكل مَرَضي، وتمركزت وتمحورت حياتهم وأحاسيسهم ومشاعرهم وطاقاتهم حول شريك حياة، إما هجرهم أو اُخِذَ منهم، أو حول أولاد سهروا عليهم سنين ليُشبعوا غريزة الأبوة أو الأمومة فيهم لدرجة أنهم لم يستمتعوا بهم في طفولتهم لهثًا وراء تدرج مراحلهم العمرية ليروهم رجالاً ناجحين أو فتيات ناجحات، وفي النهاية تأتي أفضل نهاية مُرتقبة ومحتومة أن ينفصل الابن أو الابنة ليعيش حياته تاركًا أهله محبَطين في مسيس الاحتياج له، وقد يصل بهم الأمر متروكين في أحد بيوت المُسنين في انتظار النهاية.

عاش كثيرين يصرفون حياتهم بحثًا في حياة آخرين عن حياة بدت لهم جميلة أو ذات قيمة أو معنى أو مظهر، فتجد أعمارهم وسنينهم تُفقَد على شبكات التواصل الاجتماعي في متابعة حياة غيرهم أملاً في إيجاد حياة تستحق أن تُعاش. فتجدهم يعيشون في ضحالة وكآبة متمنيين دون نوال وحالمين دون واقع حياة ذات قيمة.

عاش آخرون يتأرجحون ويترنحون على سُلم الشهوات والملذات، ضاربين بكل القيم والمُثل والمعتقدات عرض الحائط. عاشوا في وهم أنهم أحرار، يفعلون ما يُريدون، كيفما ووقتما يريدون؛ ولم يعرفوا أنهم مُستعبدون، مربوطون ومُقيدون بقيود وسلاسل قاسية تحت إدمان الخطية وشر الرذيلة. انظر لهم وهم يحصدون أو انظر لهم وهم على فراش الموت، وسترى بعينك المرار وخيبة الأمل وضياع العمر مصحوبًا برعب كثير من مستقبل مجهول وفاتورة خطية طويلة، ثقيلة ومُذهلة لم تُسدَّد.

صعد آخرون سُلم قد يبدو أرقاهم وهو التدين، إما في مُحاولة لإرضاء الله بطريقة من صُنع البشر، أو عاشوا ليكنزوا معلومات في الذهن يتباهون بها بين الناس تارة ويطوعونها لأغراضهم الدفينة تارة أخرى، عاشوا مُجرِّدين ومختزلين علاقتهم بالله في بعض الطقوس أو الفروض أو المظاهر دون جوهر الشركة والتواصل مع خالقهم. لم تتأصل المبادئ فيهم ولم تكن التقوى غير صورة جوفاء دون جذور، فتأتي الحياة برياحها وأعاصيرها فتُقتلع الأقنعة ويسقطوا سقوطًا عظيمًا في المحكات الحقيقية.

وغيرها الكثير من السلالم المعروفة لنا جميعًا.

صديقي.. هل تعلم أين المشكلة؟ إن المشكلة لا تكمن في أن تكون مشهورًا أو غنيًا أو ذا مركز مرموق، ولا أن تكون ناجحًا في بيتك ولا حتى أنك تستمتع بغرائزك التي وهبك الله إياها، أو استخدامك لشبكات التواصل، كما أنها ليس مشكلة أن تعرف عن الله طبعًا. ولكن المشكلة تكمن في أن تأخذ هذه الأمور مركز الحياة، أن تُصبح شغلك الشاغل أو تبحث فيها عن هدف وجودك. هؤلاء جميعًا فقدوا بركة الأعمال الصالحة التي أعدها الله لهم ليسلكوا فيها (أفسس٢: ١٠). لقد خلقك الله لتنجح، خلقك لتكون شخصًا متميِّزًا ومتزنًا في جوانب الحياة المختلفة، خلقك لتكون قطعة مُتفرِّدة من صورة عملاقة يرسمها مُبدع الوجود. وقد وهبك وأودعك كل ما تحتاج لتكون تلك القطعة الفريدة، أنظر لكل المعطيات التي بين يديك وستجدها بمثابة عناصر تعمل معًا لتحقيق قصده من بقائك على الأرض. لا تفقد عمرك في دوائر مُفرّغة دون جدوى، فأساس الحياة وهدفها موجود عند واهبها. عُد لمن وهبك الحياة واطلب منه أن يُعرّفك سبب وجودك، وإلى أين تذهب. جنّد إرادتك الحرة لتخطو قُربًا لقلب الرب يسوع، وقتها ستسمع وستعرف كيف تعيش ناجحًا في نظر الله. وقتها ستنجح في حياتك بكل جوانبها، بدلاً من حروب خاسرة وكروب كاسرة تمرمر الحياة. وإذ تمضي بك الأيام ستجد معنى وقيمة لسنين العمر. ويومًا ستسمع المدح و“النعما” ليس من بشر بل ممن وضع نسمة الحياة في أنف كل بشر. لن تعيش تتسول كرامة ولن تموت بغير قيمة. لن تلهث وراء معايير الناس التي تتغير، لن تعيش لشيء مؤقت أو قابل للفقد.

صديقي!

عش مُستثمرًا حياتك بمنظور سماوي أبدي.
                                                                                                                

شادي جوهر
 

الصفحة الرئيسية - إتصل بنا - نبذة عن المجلة

كتّاب المجلة - أعداد نحو الهدف السابقةصفحة البحث

©2010 Nahwal Hadaf