1995 13

آخذا صورة عبد

Bookmark and Share
  بينما كان باترك البالغ من العمر ستة عشر عاماً يقرأ كتابه المقدس وهو راكع تحت إحدى الشجيرات الوارفة بتلك الغابة الكثيفة التى تُحيط ببيته فى احدى الجُزر البريطانية وهو فى تأمل عميق، إذا سهم يخترق قدميه فيطرحه أرضاً ويسقط على وجهه. وقبل أن ينتصب كانت عشرات السهام قد ملأت جسده حتى لم يقوَ على الحركة وغاب عن الوعى بالتمام من هول الآلام.

أفاق باترك فى السفينة التى كانت تحمله كعبد قد اصطادوه ثم عروه ودهنوه باللون الأحمر ووضعوا رقمه على بطنه وظهره بعد أن قيدوه بسلاسل نحاسية مع أمثاله من العبيد الجُدد على ظهر السفينة.

بعد رحلة مريرة من الذل والمهانة وصل إلى سوق العبيد بايرلندا حيث بيع لزعيم وثنى فظ رماه فى حقوله ليرعى الخنازير بعد أن صنع علامة فى جسده بأن قطع ابهام رجل باترك اليسرى.

كان باترك يقضى معظم يومه وهو يرعى الخنازير فى الصلاة، ولكنه فى كثير من المرات كان يسترجع الذكريات الحلوة وفجأة تختنق الزفرات مع الآهات كلما تذكر يوم الصيد حيث الآلام والإهانات. ولكنه لم يفقد أبداً ثقته فى الرب يسوع، ودائماً كان يردد الآية
 «ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله» (رومية8: 28). لم يفهم كيف يمكن أن يؤول مايمر به للخير ولكنه تعلم أن يسلِّم للرب ويشكر.

وفى عام419 م بينما كان باترك بالقرب من الشاطئ يرعى خنازير سيده، رست سفينة على الشاطئ، ولما تحدث معه ركابها الذين كانوا يقضون يومهم فى الجزيرة عرفوا من لغته أنه بريطانى الأصل فأصروا على أن يأخذوه معهم إلى بريطانيا حيث عاد باترك إلى بيته بعد 14 سنة قضاها كعبد فى ايرلندا.

وهكذا مرة أخرى استنشق باترك - الذى كان بالأمس القريب من العبيد- عبير الحرية ودفء الأحضان الأسرية حيث قدم مع بيته للرب أجمل الترانيم التعبدية التى كان ينشدها فى وقت الحرية فى الجزر الانجليزية.

ولكن لم تنتهِ القصة الحقيقية بعد. ففى عام 432 م وبينما كان باترك يصلى كعادته تحت نفس الشجيرة القديمة، إذا سهم يخترق قلبه هذه المرة ... انه سهم الحالة المُرَّة التى يعيشها الشعب فى الجُزر الايرلندية فى ظلام الوثنية. وإذ أكثر الصلاة لأجلهم سمع الصوت يدوى فى قلبه ويتعالى صداه حتى يملأ كل أعماقه «اعبر إلينا وأعنا ... نحن ننعم بالحرية الجسدية، ولكننا عبيد فى الوثنية والخطية». وتأكد باترك أن هذا هو صوت الرب يدعوه للذهاب ليبشر جزر ايرلندا ... ماذا؟ أأعود مرة أخرى إلى أرض العبودية؟؟ كلا ... لاأستطيع. كان هذا هو أول رَّد فعل للدعوة فى عقل باترك. ولكن يوماً بعد الآخر أخذ باترك يخضع للدعوة حتى أخذ قراره بالعودة إلى نفس الجزيرة رغم معارضة الأصدقاء وعدم فهم الأهل لِما يعمله.

فى الطريق إلى ايرلندا تعرّض باترك للموت 21 مرة ولكن ذلك لم يُثنِ عزمه. وأخيراً وصل إلى الجزيرة لا كعبد ولكن كخادم للانجيل هذه المرة. ولم يوجد انسان فى الجزيرة لم يسمع الانجيل من خلال خدمة باترك الذى كان قد تعلم لغتهم أثناء سنين عبوديته.

وسريعاً مابُنيت الكنائس فى كل ركن من أركان الجزيرة، حتى خرج منها بعد ذلك آلاف المبشرين للعالم أجمع فدُعيت هذه الجزيرة وحتى الآن (جزيرة القديسين). صديقى صديقتى .. هل أُعجبت بباترك الذى عاد طوعاً إلى أرض عبوديته ليقدم لهم الانجيل رغم علمه بكل المخاطر. دعنى أُخبرك أو على الأقل أذكّرك بقصة أعظم عن الله العظيم الذى صار عبداً لأجلنا. تأمل معى هذه الآيات العجيبة «المسيح يسوع أيضاً ... إذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس. وإذ وُجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب» (فيلبى2: 5-8) لقد أخذ المسيح صورة عبد إذ :

  1 - جاء إلى عالمنا : «اخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس» (فيلبى2: 7) - (راجع عبرانيين 2: 14، 4: 15، 10: 5-7 مع مزمور40: 6).

2 - عاش فى وسطنا : «هوذا عبدى الذى أعضده مختارى الذى سُرَّت به نفسى. وضعت روحى عليه فيُخرج الحق للأمم. لايصيح ولايرفع ولايُسمع فى الشارع صوته» (إشعياء42: 1-3، 50: 4).

3- مات من أجلنا : «ولكن إن قال العبد أحب سيدى وامرأتى وأولادى لاأخرج حراً» (خروج21: 5) - (راجع إشعياء50: 6، 52: 14،13، 53: 11).

أيها القارئ العزيز لقد أخذ المسيح صورة عبد وأطاع حتى الموت موت الصليب لأنه يعلم أنك خاطئ نظيرى، فكل من يعمل الخطية هو عبد للخطية (يوحنا8: 43). فهل تُقبل إليه وتتمتع معى بالحرية الحقيقية لأنه «إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً» (يوحنا8: 63). إن يديه اللتين سُمرتا وثُقبتا يوماً هما وحدهما تفكانك من كل أغلال وقيود الخطية والشر التى لن تستطيع أنت بذاتك أو بمساعدة أى بشر أن تتحرر منها. هل تصلى معى الآن وأنت تقرأ هذه المجلة:

صلاة : أيها الإله الفريد يامن أخذت صورة العبيد لتعتقنى، فكنى من كل قيودى واعطنى قلباً جديداً. آمين،،  


زكريا استاورو
 

الصفحة الرئيسية - إتصل بنا - نبذة عن المجلة

كتّاب المجلة - أعداد نحو الهدف السابقةصفحة البحث

©2010 Nahwal Hadaf