1994 9

الراعي الضال

Bookmark and Share
«أيها الآب السماوى الأمين .. أرشدنى بروحك المعين .. لأقدم لهذا الولد المسكين بشارة الخلاص الثمين ... آمين» 

كانت تلك صلاة رفعها فى أنين يُعبر عن حب فى القلب دفين خادم الشرب جون نيلسون داربى وهو فى الجانب الغربى لأيرلندا فى عام 1827م، وكان قد جلس على كومة من القش وأمامه مايُشبه هيكلاً عظمياً هشاً لولد اسمه وليم قد بلغ خمسة عشر عاماً من عمره  وقد نام على وسادة من الطين وبدا على وجهه الحطام الممتزج بالآلام وتجاعيد الأيام رغم سنه المُبكر.

ظل وليم فى سعال مستمر يجلب الإشفاق والحنان إذ كان سعاله كنواح الغربان أو استغاثات انسان غريق واضافة لذلك كانت برودة الشتاء ترسم علامات الشقاء على وليم فلم يكن يغطى جسده العليل إلا القليل من الخرق البالية وكأنه يلتحف تلك العشة المليئة بالظلام والوحشة.

وكان جون داربى قد حضر إلى هذا المكان ليوصل بشارة الانجيل لهذا الغلام العليل وظل أكثر من ساعة يسير فى أردأ السُبل إذ كانت الثلوج تغطى كل الجبل.

وبكل إخلاص حاول الخادم الحبيب أن يوصل لوليم رسالة الخلاص العجيب الذى أكمله المسيح على الصليب لينقذنا من القصاص الرهيب. ولكن وياللأسف، ففى كل مرة فيها يتكلم الخادم كان الشاب يفتح عينيه ويحنى رأسه فى ذبول ليُعبر عن يأسه فى ذهول ويقول «أنا لم أدخل المدرسة ولن أستطع أن أفهم شيئاً مما تقول فهذه أمور تفوق العقول».

شعر داربى بالخوار وهو أمام هذا المسكين المنهار، والذى سيهوى حتماً إلى النار، لأنه لم يعرف الانجيل الذى لنا الحياة والخلود أنار، وضمن لنا أحلى الديار. سيمضى بدون رجاء ... سيمضى إلى مساء بلا ضياء ... فياله من شقاء !!

ومرة أخرى وبنفس مُرَّة صلى داربى «آه ياربى أُدرك أن حبك لوليم أعظم من كل حبى الذى يملأ قلبى .. فاهدِ دربى لأوصل نور الانجيل ليُنير السبيل لهذا الغلام العليل». ساد صمت طويل وبعدها سأل خادم الانجيل وليم : «متى؟ وفى أى الأحوال أُصبت بهذا السعال؟»، بدأ وليم بشفتين مرتجفتين وبقلبٍ يئن يستجمع قواه ثم قال : «منذ مايقرب من العام وفى أحد الأيام بعد أن حل الظلام قبل أن ننام اكتشف أبى غياب إحدى الأغنام، ولأن الثلوج كانت تغطى الضيعة بالتمام هرب من الجميع كل سلام، وكان الحزن والقتام يعلو بيتنا حتى الغمام، ولأنى أعلم أن أبى عطوف ويقدّر كل خروف حتى لو كان يمتلك منهم الألوف لم أستطع الوقوف كالمكتوف بل تركت دفء البيت دون خوف. فلقدقررت أن أتحدى الظروف وألا أعود من الجبل إلا ومعى الخروف».

صمت وليم ليلتقط أنفاسه وعندها سأله الخادم بكل اهتمام : «وهل رجعت به بسلام؟». أردف وليم : «أكثر من مرة تعرضت للهلاك وتمزقت قدماى بالأشواك. وقاسيت من الثلوج العذاب، وهاجمتنى أسراب الذئاب. وعند الفجر كدت أفقد الأمل وناجيت نفسى "وما العمل؟".  وفجأة أبصرت الحمل وهو فى حفرة ثلجية، يكاد أن يتجمد من الوحدة والبكاء ومن برد الشتاء فخلعت ثوبى وغطيته واحتضنته بعد أن ضمدت منه الجراح. ولما عُدت به فى الصباح استقبلنى أبى والأهل بالأفراح ثم جلسنا حول النار أستدفئ أنا وخروفى ومنذ ذلك اليوم وأنا مُصاب بالسعال وكلما يشتد بى المرض أتذكر الخروف الذى أنقذته فتهون علىَّ آلامى فلقد وجدت خروفى الضال ».

وعندها فتح الخادم كتابه المقدس على انجيل لوقا15: 4-7 وأخذ يقرأ لوليم بهدوء «أى انسان منكم له مئة خروف وأضاع واحداً منها ألا يترك التسعة والتسعين فى البرية ويذهب لأجل الضال حتى يجده وإذا وجده يضعه على منكبيه فَرِحاً ويأتى إلى بيته ويدعو الأصدقاء والجيران قائلاً لهم افرحوا معى لأنى وجدت خروفى الضال. أقول لكم انه هكذا يكون فرحٌ فى السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لايحتاجون إلى توبة».

وما إن أكمل جون داربى قراءة الانجيل حتى لمعت عينا وليم وانتصب ثم جلس وقال الآن فقط قد فهمت ما كنت تحاول أن تُخبرنى به فأنت تقصد أنى أنا الراعى الضال والرب يسوع هو الراعى الذى يبحث عنى لأننى ضللت مثل خروفى على جبال الخطايا. وصمت قليلاً وهو يهز رأسه فى تأثر.  فقال له الخادم : «نعم ولأجلك وفى طريق حبك مات المسيح وثُقبت يداه ورجلاه بالمسامير وتكلل بالأشواك وإلى الآن هو يبحث عنك».

جرت الدموع بغزارة من عينى وليم وصرخ : «أيها الراعى الطيب، أحتاج اليك جداً فبرودة الخطية الأشد من برودة الحالة الجوية تكاد تقتلنى. إننى الآن أرتمى فى أحضانك فأنا أحتاج إلى دفء حنانك»، وسالت دموعه بأكثر غزارة.

وبعد أن قَبِل وليم المسيح كمخلص له ظل معه الخادم أكثر من ساعة أخرى ليُحفظه مزمور 32 «مزمور الراعى» وتركه بعد أن صلى لأجله.

وبعد أربعة أيام كان وليم ينام فى سلام وهو يردد أحلى الأنغام «إن سرتُ فى وادى ظل الموت لاأخاف شراً لأنك أنت معى» قالها بابتسامة هادئة وعبر وادى ظل الموت وتقابل مع الراعى المجيد على الشاطئ الآخر فى الفردوس.

صديقى ... صديقتى .. هل ضللت مثل وليم وخروفه الضال؟ تعال الآن نحـــو الهدف .. إلى المسيح الذى مات لأجلك فهو مازال يُحبك ويبحث عنك لأنه :

1- الراعى الصالح : الذى بذل نفسه عن الخراف عندما مات على الصليب (يوحنا10: 11)

2- راعى الخراف العظيم: الذى سيهتم بك طوال رحلة الحياة فهو أرق حبيب (عبرانيين13: 20).

3- رئيس الرعاة : الذى سيأتى ويأخذنا عنده ويكافئنا فى المجد عن قريب (بطرس الأولى5: 4).

فلماذا تعطى حياتك للشيطان وهو السارق الذى لايأتى إلا ليسرق ويذبح ويُهلك (يوحنا10: 11) فلهذا أنا أناشدك أن تعطيها للرب يسوع الذى ضحى لأجلك فهل تصلى معى الآن فى نفس المكان الذى تقرأ فيه هذه الكلمات؟

صلاة:
أيها الراعي القدير ... يامن سُمّرت لأجلي بالمسامير .. أرحمني من ماضيَّ الشرير واحملني طوال المسير حتى أصل للبيت المنير .. آمين.

زكريا استاورو
 

الصفحة الرئيسية - إتصل بنا - نبذة عن المجلة

كتّاب المجلة - أعداد نحو الهدف السابقةصفحة البحث

©2010 Nahwal Hadaf