1994 8

عندما صمت البيانو

Bookmark and Share
فركت سوزان عينيها بيديها ثم هتفت بكل قوتها من أعماق قلبها «تُرى هل أنا فى حُلم جميل أم أنه قد تحقق المستحيل». كان ذلك فى شهر أغسطس سنة 1991 أسعد الأشهر على وجه الاطلاق فى حياة سوزان وحيدة والديها التى نشأت فى أرقى العائلات فى إحدى محافظات صعيد مصر. وبالتحديد كان هناك يومان فى حياة سوزان لن تنساهما على مر الزمان. الأول يوم أن ظهرت نتيجة الثانوية العامة فحصلت على مجموع 2ر39 %  والثانى يوم ظهور نتيجة التنسيق واستلامها الكارت ومكتوب عليه اسمها ومعه اسم كلية الصيدلة حُلم حياتها الأول. ولكن كان عصر ومساء هذا اليوم أكثر اثارة من مجرد قبولها بكلية الصيدلة فلقد استيقظت الساعة الخامسة بعد الظهر على صوت أقدام وقفت بجوار سريرها ثم شعرت بيد تمتد تحت الوسادة التى تنام عليها وعندما فتحت عينيها وجدت أباها يبتسم ابتسامة فهمت معناها سريعاً فوضعت يدها تحت الوسادة لتجد مفتاحاً بسلسلة وعندما رفعته أمام عينيها قال لها أبوها : إنها عربة فيات 128 جديدة لكِ ياأعظم دكتورة، تتناسب مع بنتى الأمورة لتذهب بها للجامعة .. قفزت سوزان من على السرير وقبّلت والدها وفى لحظات كانت تقف تحت العمارة لتتأمل فى عربتها الحمراء الجديدة وهى تتلألأ فى بهاء كعروس تنتظر مجئ عريسها.

رجعت سوزان من النادى فى المساء وبعد العشاء دخلت حجرتها فكاد أن يتوقف قلبها من شدة الفرح فها هو أمل حياتها السعيد .. البيانو الجديد قد وُضع فى حجرتها ولمحت فوقه «كارت» مكتوب عليه »» هدية حُبية لأجمل صيدلانية «« التوقيع .. ماما .. وبعد أن قبَّلت أمها وشكرتها جلست سوزان لتعزف أبهج الألحان فلقد ابتسم لها الزمان .. وبكل هيام عزفت الأنغام التى تُغنى بدون كلام عن كل الأحلام التى عاشتها طوال الأيام.

لم يمضِ إلا أربعة أشهر فقط حتى كان شهر ديسمبر سنة 1991 حيث بدا الإعياء والارهاق الشديدان على وجه سوزان وظن الجميع فى البداية أنه نتيجة طبيعية لمجهود الدراسة فى الكلية حتى كانت سوزان بين يدى أشهر الأطباء من أساتذة الجامعة. ولن تنسى سوزان يوم أن وقفت بجسد تعبان وذهنٍ حيران تستمع من خلف الجدران مايقوله أستاذ التحاليل لتسمع كلمة «سرطان» نعم «سرطان الدم» - كلمة كانت كالسهم طعنتها بسيف الأحزان فيما داخل الكيان.

مرة أخرى كانت سوزان تجلس ونفسها دخلت إلى الحديد لتلعب على البيانو الجديد ولكن هذه المرة كانت بنفسها المُرّة فلم تعزف سوزان ألحان القلب الفرحان كما كان منذ شهور من الزمان لكنها عزفت ألحان الأشجان وكانت وكأنها تناجى هذا السرطان .. أيها السرطان يامنبع الأحزان .. ألم تتعلم شيئاً عن الحنان .. ألا تعرف أن تُفرِّق بين إنسان وانسان بين فقير وسلطان أو بين الشيوخ والشبان، بين انسان فرحان وآخر يغرق فى الأحزان. ولا حتى بين البنات أو الفتيان .. فيا لك من سرطان غبى وجبان.

تلاشت كل وعود الأب من صرف ملايين الجنيهات على سوزان لتغير الدم فى مستشفيات أوربا فلقد ساءت الحالة سريعاً وفى ثلاثة أيام كانت سوزان تنام وقد فقدت الوعى بالتمام ولكن فجأة استيقظت سوزان من الغيبوبة وكان الأب يمسك بيدها اليُمنى والأم بيدها اليُسرى وعندما نظرت إليهما انهارت سوزان فى بكاء رهيب ثم تكلمت وقالت لهما : بابا .. ماما .. أشعر أنى سأغادر الأرض عن قريب وأحاول أن أغفر لكما ولكن لاأستطيع.

كانت هذه الكلمات كالعاصفة الصاعقة على والديها ولاسيما كلمة «أغفر لكما» فقال لها الأب وهو يحاول أن يتمالك دموعه بلا جدوى .. تغفرى لنا يابنتى .. تغفرى ماذا؟ على .. وعندها قاطعته سوزان قبل أن يكمل جملته .. بابا. ليس لأجل الصيدلة أو العربة ولا النادى أو البيانو فأنا مديونة لكما بالشكر لأنكما علمتمانى كيف أعيش عيشة كريمة ولكن يابابا لم تعلمانى كيف أموت ميتة سعيدة، فها أنا أغادر الأرض، والظلام يحيط بى ولن يُفيدنى كل ماتعلمته عن الحياة السعيدة فى لحظات موتى الرهيبة. أنا خائفة ومُرتعبة ولا أعلم ماذا سيصادفنى بعد الموت .. ليتنى ماتعلمت كيف أعيش فى أحلام وأوهام ولكن تعلمت كيف أموت فى هدوء وسلام .. قالتها سوزان ثم رددت كلمات عن النيران والأحزان عن الظلام والآلام ثم رحلت بدون سلام فى رُعب إلى أبدية لا نهاية فيها للسنين والأيام. وعندها صمت بيانو سوزان عن الألحان فبعد أن عزف سيمفونية الأفراح ثم تلتها سيمفونية الأتراح والجراح .. صمت بدون أى همس أو صياح .. صمت فى مساء بلا صباح .. لقد عرفت سوزان فى حياتها السلم الموسيقى ولكنها لم تكن تعرف اللحن الحقيقى .. اهتمت بحياتها الأرضية ولكن لم تعرف الحياة الأبدية ولا غرض كل التسبيحات الملائكية - الرب يسوع فادى ومخلص البشرية ..

صديقى .. صديقتى ..
اسمح لى أن أسألك وبدون أى تشاؤم .. أين ستكون فى الأبدية؟؟   وإن كنت تسألنى وهل يمكن للإنسان وهو على الأرض أن يعرف مستقبله الأبدى أم أن هذا سر لايُعرف إلا بعد الموت أقول لك ياصديقى: بل هنا على الأرض والآن عليك أن تعرف مستقبلك الأبدى، وسأقدم لك بعض البراهين على ذلك : -
(1) من وعود رئيس الحياة : لقد وعدنا «الحق الحق أقول لكم إن من يسمع كلامى ويؤمن بالذى أرسلنى فله حياة أبدية ولا يأتى إلى دينونة بل قد انتقل من الموت إلى الحياة (يوحنا 5: 24 أنظر يوحنا 3: 14-20، يوحنا 6: 37،47، يوحنا 11: 25، يوحنا 14: 1-6).

(2) من الكتاب المقدس وما احتواه : «أما الصدِّيق فواثق عند موته» (أمثال 14: 32) (أنظر رسالة تيموثاوس الثانية 1: 10؛ رسالة يوحنا الأولى 5: 13، 3: 14).

(3) من سفر الحياة
: «.. العاملين معى الذين أسماؤهم فى سفر الحياة» (فيلبى 4: 3) فالمؤمنون وهم على الأرض يعرفون أن أسماءهم مكتوبة فى سفر الحياة ولن تُمحى أبداً - أنظر (لوقا 10: 20؛ رؤيا 20: 11-15).

(4) من سير القديسين فى الموت والحياة : فها الرسول بولس يرى أن الموت ربح ويشتهيه (فيلبى 1: 21،23). ولقد ذهب القديسون على مر العصور إلى الزيت المغلى وإلى الأسود وهم يرنمون لأنهم كانوا يثقون أن لهم حياة أبدية (أنظر أعمال 7: 54-60 ؛ بطرس الثانية 1: 14 ؛ رؤيا 2: 10).

(5) من اختبارات الحياة : فقبل أن تسافر بالقطار تحجز تذكرة، وبالطائرة تأخذ تأشيرة على جواز السفر ثم تحجز تذكرة طيران فكم تكون الرحلة الأبدية. فالمؤمن مواطن سماوى وجالس فى السماء - أنظر (فيلبى 3: 20؛ أفسس 2: 6). فهل تصلى معى الآن بإيمان : صلاة  - -      يامن أبطلت الموت عندما مُت على الصليب .. أومن بك أيها الحبيب .. امنحنى الحياة الأبدية والسلام العجيب فيفرح قلبى الكئيب .. آمين.   

زكريا استاورو
 

الصفحة الرئيسية - إتصل بنا - نبذة عن المجلة

كتّاب المجلة - أعداد نحو الهدف السابقةصفحة البحث

©2010 Nahwal Hadaf